وهبة الزحيلي

11

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ثم أكد اللَّه تعالى نفي العلم بعبادة الناس لها بقوله : وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً ، وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ أي وإذا جمع الناس العابدون للأصنام في موقف الحساب ، كانت الأصنام لهم أعداء ، تتبرأ منهم وتلعنهم ، وكانوا جاحدين مكذبين منكرين لعبادتهم ، فيخلق اللَّه الحياة في الأصنام فتكذبهم ، وتتبرأ الملائكة والمسيح وعزير والشياطين ممن عبدوهم يوم القيامة . ونظير الآية قوله سبحانه : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ، كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ، وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [ مريم 19 / 81 - 82 ] أي سيكذبونهم ويعادونهم في وقت أحوج ما يكونون إليهم . وقال تعالى حكاية عن إبراهيم الخليل عليه السلام : وَقالَ : إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً ، مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ، وَمَأْواكُمُ النَّارُ ، وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ [ العنكبوت 29 / 25 ] . فقه الحياة أو الأحكام : أرشدت الآيات البينات إلى ما يأتي : 1 - تأكيد مطلع سورة الجاثية : وهو كون مصدر القرآن من اللَّه العزيز الحكيم ، لا من عند محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم ولا غيره من العرب أو العجم . 2 - دلت آية : ما خَلَقْنَا السَّماواتِ . . على أمور ثلاثة : هي إثبات الإله بخلق هذا العالم ، وإثبات أن إله العالم عادل رحيم ، لقوله تعالى : إِلَّا بِالْحَقِّ أي إلا لأجل الفضل والرحمة والإحسان ، وإثبات البعث والقيامة ، إذ لو لم توجد القيامة لتعطل استيفاء حقوق المظلومين من الظالمين ، ولتعطل إيفاء الثواب للمطيعين ، وإقامة العقاب على الكافرين ، وذلك ينافي كون خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق .